ابن رشد

18

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الحكم . وكان هناك دعاة آخرون بعثهم واصل إلى جهة " المشرق " ، إلى خراسان وأرمينية حيث دخلوا في نقاش عقائدي مع أهل الديانات في تلك المناطق ، من مجوسية وسمنية ومانوية وغيرها من الديانات الفارسية التي تتميز بالقول بإلهين : إله للخير وإله للشر . ولعل الاحتكاك مع هذه المذاهب المثنوية ( - التي تقول بإلهين اثنين ) هو الذي جعل الفكر المعتزلي يتحول من مسألة " المنزلة بين المنزلتين " و " القدر " أي حرية الإنسان ، وهما من جملة القضايا ذات المضمون السياسي التي كان الكلام يجري حولها في إطار المعارضة للأمويين والتي يجمعها " العدل " ، وهو المبدأ الثاني في الفكر المعتزلي - لعل الاحتكاك مع المذاهب المثنوية والرد على أصحابها هو الذي جعل المعتزلة يركزون على مسألة " التوحيد " حتى جعلوا منه المبدأ الأول الذي تتحدد به هويتهم ، إذ يقولون عن أنفسهم إنهم : " أهل التوحيد والعدل " . 4 - تراكم . . تبويب وتصنيف وكان لا بدّ لهذا التحول ، من " العدل " الموجه أصلا ضد الأمويين الذين كانوا يمثلون " الخصم داخل الأنا " ، إلى قضية صار الخصم فيها عبارة عن " آخر " يقع خارج الأنا ، كان لا بدّ أن ينعكس على منهج الجدل ومرجعياته : كان الخلاف والجدال داخل الأنا ( الإسلام ) يتكلم مفاهيم إسلامية دينية ( الإيمان ، الكفر ، مرتكب الكبيرة ، القدر . . . ) ويعتمد مرجعيات إسلامية ( قرآن ، حديث . . . ) . أما الخلاف والجدال مع من يقع أصلا خارج الإسلام فلا بد له من مفاهيم " كلية " ومرجعيات " عالمية " يحتكم إليها البشر كلهم مهما كانت ديانتهم ومعتقداتهم . من هنا ستسود مفاهيم " عقلية " في لغة المتكلمين ، وسيتكرس " الشاهد " ، أي معطيات الحس والتجربة ، كمرجعية للاستدلال . وأكثر من ذلك سيحصل تراكم يصبح معه من الضروري القيام بنوع من التبويب والتصنيف لموضوعات " الكلام " . في هذا الإطار يمكن أن نفهم بصورة أفضل ما نقله إلينا الشهرستاني عن واصل بن عطاء وأتباعه ( الواصلية ) حينما أرجع مذهبهم إلى أربع قواعد : " القاعدة الأولى : القول بنفي صفات الباري تعالى من العلم والقدرة والإرادة والحياة ( - وهذا هو معنى التوحيد عند المعتزلة ) . وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة وكان واصل يشرع فيها على قول ظاهر ، وهي الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين . قال : ومن أثبت معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين . وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع